الشوكاني

27

فتح القدير

بالله ، و ( من فضل الله علينا ) خبر اسم الإشارة : أي ناشئ من تفضلات الله علينا ولطفه بنا بما جعله لنا من النبوة المتضمنة للعصمة عن معاصيه ، ومن فضل الله على الناس كافة ببعثة الأنبياء إليهم وهدايتهم إلى ربهم وتبيين طرائق الحق لهم ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) الله سبحانه على نعمه التي أنعم بها عليهم فيؤمنون به ويوحدونه ويعملون بما شرعه لهم ، قوله ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) جعلهما مصاحبين للسجن لطول مقامهما فيه ، وقيل المراد : يا صاحبي في السجن ، لأن السجن ليس بمصحوب بل مصحوب فيه ، وأن ذلك من باب يا سارق الليلة . وعلى الأول يكون من باب قوله - أصحاب الجنة أصحاب النار - والاستفهام للإنكار مع التقريع والتوبيخ ، ومعنى التفرق هنا هو التفرق في الذوات والصفات والعدد : أي هل الأرباب المتفرقون في ذواتهم المختلفون في صفاتهم المتنافون في عددهم خير لكما يا صاحبي السجن ، أم الله المعبود بحق المتفرد في ذاته وصفاته الذي لا ضد له ولا ند ولا شريك ، القهار الذي لا يغالبه مغالب ولا يعانده معاند ؟ أورد يوسف عليه السلام على صاحبي السجن هذه الحجة القاهرة على طريق الاستفهام ، لأنهما كانا ممن يعبد الأصنام ، وقد قيل إنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند أن خاطبهما بهذا الخطاب ، ولهذا قال لهما ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ) أي إلا أسماء فارغة سميتموها ولا مسميات لها ، وإن كنتم تزعمون أن لها مسميات ، وهى الآلهة التي تعبدونها ، لكنها لما كانت لا تستحق التسمية بذلك صارت الأسماء كأنها لا مسميات لها ، وقيل المعنى : ما تعبدون من دون الله إلا مسميات أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء أنفسكم ، وليس لها من الإلهية شئ إلا مجرد الأسماء لكونها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ، وإنما قال ( ما تعبدون ) على خطاب الجمع وكذلك ما بعده من الضمائر ، لأنه قصد خطاب صاحبي السجن ومن كان على دينهم ، ومفعول سميتموها الثاني محذوف : أي سميتموها آلهة من عند أنفسكم ( ما أنزل الله بها ) أي بتلك التسمية ( من سلطان ) من حجة تدل على صحتها ( إن الحكم إلا لله ) أي ما الحكم إلا لله في العبادة ، فهو الذي خلقكم وخلق هذه الأصنام التي جعلتموها معبودة بدون حجة ولا برهان ، وجملة ( أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) مستأنفة ، والمعنى : أنه أمركم بتخصيصه بالعبادة دون غيره مما تزعمون أنه معبود ، ثم بين لهم أن عبادته وحده دون غيره هي دين الله الذي لا دين غيره فقال ( ذلك ) أي تخصيصه بالعبادة ( الدين القيم ) أي المستقيم الثابت ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن ذلك هو دينه القويم ، وصراطه المستقيم ، لجهلكم وبعدكم عن الحقائق . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال : سألت ابن عباس عن قوله ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ) فقال : ما سألني عنها أحد قبلك ، من الآيات قد القميص وأثرها في جسده ، وأثر السكين ، وقالت امرأة العزيز إن أنت لم تسجنه ليصدقنه الناس . وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال : من الآيات كلام الصبي . وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : الآيات حزهن أيديهن وقد القميص . وأقول : إن كان المراد بالآيات : الآيات الدالة على براءته فلا يصح عد قطع أيدي النسوة منها ، لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن مع ما ألبسه الله سبحانه من الجمال الذي تنقطع عند مشاهدته عري الصبر وتضعف عند رؤيته قوى التجلد . وإن كان المراد الآيات الدالة على أنه قد أعطى من الحسن ما يسلب عقول المبصرين ، ويذهب بإدراك الناظرين ، فنعم يصح عد قطع الأيدي من جملة الآيات ، ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : عوقب يوسف ثلاث مرات : أما أول مرة فبالحبس لما كامن همه بها ، والثانية لقوله